خليل الصفدي
276
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
وينالون ببنادق الطين من الطير ما لا يناله سواهم بجوارح صقورهم ولا بزاتهم ، قد نبذوا في تحصيل المراتب العليّة شواغل العلق ، وتدرّعوا شعار الصدق بينهم وهم أصحاب الملق ، ومنعوا جفونهم من ورود حياض النوم إلّا تحلّه ، وظهروا بوجوه هي البدور وقسيّ هي الأهلّه ، وتنقلّوا في صيد النسور تنقّل الرّخّ ، وصادوا الطيور في الجوّ لما نثروا حبّات الطين من كلّ قوس هي كالفخّ « 1 » ، وصرخوا على الأوتار فكانت ندامى الأطيار على سلاف المياه من جملة صرعاها ، واقتطفوا زهرات كلّ روضة أخرجت ماءها ومرعاها ، احتاجت هذه الطريق إلى ضوابط تراعى في شروطها ، وتسحب على الجادّة أذيال مروطها ، ليقف كلّ رام عند طور طيره ، ويسبر بتقدّمه غور غيره ، ليؤمن من التنازع في المراتب ، ويسلم أهل هذه الطريقة من العائب والعاتب . وكان المجلس السامي الأميري الشهابي أحمد بن برق هو الذي جرّ فيها على المجرّة مطرفه ، وأصبح ابن بجدتها علما ومعرفه ، تطرب [ الأسماع من نغمات ] « 2 » أوتاره ، وتنشقّ مرائر الطير من لون غباره ، وتودّ المجرّة لو كانت له طريقا والشمس جواده والسماء ملقه ، وتتمنّى قوس السماء الملوّنة لو كانت قوسه والنسر طائره والنجوم بندقة ، كم جعل حلل الروض المرقومة بما صرعه مطايره ، وكم خرج في زمر والطير فوقهم صافّات فصاد بدر تمّ حين بادره ، وكم ضرج في معرك الجوّ من قتيل ريشه كالزّرد الموضون ، وكم أرسل البندق فكان سهما ماضيا لأنه من حمأ مسنون . فلذلك رسم بالأمر العالي لا زال طائره ميمونا ، ودرّ أمره في أدراج الامتثال مكنونا ، أن يفوّض إليه الحكم بين رماة البندق بالشام المحروس على عادة من تقدّمه في ذلك من القاعدة المستمرّة بين الرماة ، فليتولّ ذلك
--> ( 1 ) كذا في الأعيان وفي الأصل : الفخ . ( 2 ) الزيادة من الأعيان .